Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

(العريف غضبان)

مجموعة قصص بقلم :حسن م. يوسف

صدرت لأول مرة عن وزارة الثقافة

دمشق 1978

الغلاف : للفنان عمر حمدي (مالفا)

المحتويات:

1-استفتاح

2-انزلاق أيوب تحت الشمس العمودية

3-اطمئنان

4-سيف يعبر المدينة

5-هم يبتسمون أيضاً

6-العريف غضبان

7-تحولات حميدو

8-برهان

9-ثالاسيميا عظمى

10-عليشي شخيدي

 

استفتاح

 

يومها كنت طالباً في مدينة جبلة الساحلية. كنت في كل صباح أروح إلى الكراج أنتظر زوادتي ومصروف يومي ورسائل إخوتي.

وذات صباح كانوني عاصف كنت في طريقي إلى الكراج وعندما وصلت أمام دار البلدية ناداني رجل من قريتنا – لن أذكر اسمه لأنه لا يزال حياً حتى كتابة هذه الكلمات – سحبني تحت المطر إلى مدخل بناء خال. سلم عليّ بود وجفف يديه ببطانة معطفه ومسح شاربيه الشائبين المبللين بكمه وقال لي وهو يرتجف:

"اسمع يا ابن أخي. كرمى لروح أمواتك لا تضحك عليّ".

قلت له مطمئناً:

"ولو  يا خال (…) من يضحك عليك يعدم شبابه! خير إن شاء الله؟"

أخرج من جيب معطفه الداخلي نصف ظرف على زاويته ترويسة باللون الأحمر. خمنت محتواه فوراً. سألته بعد أن يئست من أين أبدأ الكلام:

-    "ما قصة هذه الصور يا خال؟"

-    قال لي متلعثماً:

-    "أتعرف ابني (…)؟ سيتقدم للشهادة المتوسطة هذه السنة. جئت لحضور محكمة ضبط الأحراج الذي كتبه المأمور بـِ "خزنة" في العام الفائت، الله يخرب بيته، فأعطاني ابني الوصل حتى آخذ له صوره… شف لي بالله عليك يا ابن أخي. هل هذا ابني؟".

كانت الصور لرجل مربوع أصلع جاوز الثلاثين ذي شاربين كثيفين وعينين كبيرتين وفم كبير فلم أستطع كتم ضحكتي:

-    "ما هذا يا خال؟! وحق الرب لا يساوي ابنك فخذ هذا الرجل؟! كيف أخذتها؟!"

-    قال لي وقد احمر من الخجل:

-    "وخزني قلبي والله. أي والله وخزني قلبي".

دخلت لوحدي فقد خمنت ما حدث. كنت أعرف صاحب الاستديو فرحب بي لكنه ما أن رأى الصور بيدي حتى خرج عن أطواره وأخذ يصرخ:

-    "شيء يجنن! واحد لا يعرف صورة ابنه! نزع صباحي! دوخني! نبشت له كل الصور! العمى! لن أرجعها! خله يطق ويبلط البحر!"

كان منكمشاً قرب الباب. سحبته من يده ومضينا.

وقبل أن نفترق سألته:

-    "هل هذه صورة ابنك؟"

فنظر إليّ بغموض وخجل وقال:

-    "تشبهه، أي نعم تشبهه…"

 

فإلى الرجل الذي لم يعرف صورة ابنه في تلك الصباحية العاصفة.

إلى الأحبة المقهورين، الأميين المسحوقين، يدي وقصصي.

                                                  حسن م. يوسف

ملحوظة:

القصص منشورة حسب تسلسلها الزمني

حسن

** - **

 

انزلاق أيوب تحت الشمس العمودية

قصة: حسن م. يوسف

 

 

-    "انتشار! تفرقوا! بسرعة!"

حنى أيوب ظهره المثقل بأشيائه. دار في كل الاتجاهات ثم انسل بين صخرتين وانبطح. مد يده ليزيح بعض الحصى من تحته، تململ، أطلق زفرة طويلة وهو ينقب السماء بعينيه العكرتين. كانت السماء كبحيرة في أرض كلسية. نظر أمامه عندما هزت نسمة متداعية حطام أشواك نابتة في الشق الفاصل بين الصخرتين. اشتم رائحة عنصر غريب على الهواء. عطس.

أول البارحة كان الكابوس عجولاً. عدة انفجارات… سقوط أشياء من عل… صمت. ثم قائد القاعدة يزعق في جهاز الإرسال:

-    "من نسر ثلاثة إلى ثائر… من نسر ثلاثة إلى ثائر… من نسر ثلاثة إلى ثائر. أنا نسر. هل تسمعني؟ حول".

كان كل شيء عادياً. مسح عرقه المتصبب بطرف كمه الكتاني اللامع.. تذكر رفيقه صالح. اشتم رائحة رجليه الكريهة.. رفس قائمة السرير.

-    "يا للرائحة! ما  هذا يا صالح؟ هل قبرت جثة ناقتك في رجليك؟"

تحسس الضماد الذي يضغط على حاجبيه. تمتم:

-    "مسكين.. راح!"

الانفجارات تتوالى خلفه.

-    "مساكين جماعة التغطية".

ما زالت السماء التي تطل عليه من بين الصخرتين باهتة زلقة.. زلقة كتلك المرأة ذات العينين الزجاجيتين. قالوا له بأنها ستكون زوجته.. كانت عارية عندما تعرف عليها.. حاول استرجاع ملامحها عله يجد فيها بعض عزاء.. حب.. كراهية.. أي شيء. لكن العينين الزجاجيتين كانتا مغمورتين بالغبار كأسلحة هزيمة قديمة في صحراء مهجورة. ليلتها.. أربع مرات.. حاول أربع مرات.. حاول أربع مرات.. أربع مرات! اللعنة على أنفاس أبيها! ليلتها أحس أيوب بصدره يضمحل متطاولاً كصدر النحلة.. النحلة.. النحل.. كان أيوب نحلةً غمر الثلج خليتها.. نحلة صغيرة في الثلج.. الثلج الذي يقتل النحل التائه.

أيقظ زوجته العذراء. قال لها وعيناه معلقتان إلى الحائط الهرم:

-    "استريني الله يسترك!"

فتح الباب. لفحته زغرودة ممطوطة. اندفعت عينا أمه إلى الوسادة.. الغطاء.. الشرشف.. وجه أيوب. انتصبت الحقيقة أمام عينيها كجدار ظلام. اتسعت حدقتاهما بسرعة كنقطتي زيت سقطتا على سطح مستو. كانت عيناها تريدان الدم وكانت عينا أيوب ماتزالان معلقتين إلى الحائط الهرم.

دوى أزيز الطائرة القارس فوق رأسه.. اشتدّ.. اقترب.. اقترب.. أقفل الرؤية وابتعد بطرفة عين. فكر أيوب بوجه الشبه بين الزغرودة وأزيز الطائرة. سقطت حصاة بجانبه. انتفض وإصبعه على الزناد. دارت عيناه في محجريهما. رقصت عضلة فكه بلا شعور منه. رأى الحصاة تستقر عند ركبته. تمتم بارتياحٍ غاضب:

-    "العمى! هل أنا جبان إلى هذا الحد؟"

أحس بأخمص بندقيته يرتجف، يزداد دفئاً. نظر إليها بحنو وهزَّها. تمتم:

-    "لحسن الحظ ليس للبندقية قلب. القلب يخاف لكنه يحب أيضاً".

تفجر الأزيز فوقه.. اندفعت كتلة سوداء نحوه من السماء.. ميزها وهي تنقضّ.. شعر بأنها تختزل كيانه. تنفس بعمق عندما ارتفعت.

-    "ابن الكلب..والله.. والله!!"

بترت تفكيره كتلتان هائلتان انطلقتا من جناحي الطائرة.

"طب.. طب"

قفزت عناصر الأرض إلى السماء، ارتفعت.. ارتفعت.. انحنى الثقيل منها أولاً ثم أخذت تقرع الأرض بشدة متفاوتة.

استعاد أيوب وعيه ببطء ودخل مملكة الألم.. حرك يده اليمنى. حرك ساقيه تباعاً. لم يكن يسمع إلا الطنين.. الطنين يملأ رأسه، يعزله عن الانفجارات التي تمزق الهواء حوله. أحس بشيء يدب على صدره، فيما بين جناحيه. أحس به يتكوم في سرته.. يستقر لحظة ثم يتابع دبيبه ليهوي بين فخذيه.

فتح عينيه. وخزهما بريق بلورات الصخرة التي هشمها الانفجار. أغلق عينيه بتثاقل وانزلق إلى الداخل فقد كانت الشمس عمودية وتحت الشمس العمودية تغوض الظلال ويبقى الإنسان فرداً.

**

 

-    "دخيلك يا أخي وصلوا؟"

هب صوت من الخارج:

-    "ارم المليشيا واطلع!"

قفز أيوب عن السرير. ضغط على ضماد في منتصفه بقعة حمراء في ساقه اليسرى. نظر إلى قضبان النافذة. نظر إلى مخزن بارودته الفارغ. اختطف حذاءه من تحت السرير، تناول الجورب..

-    "اخرج يا جحش!"

عبقت في أنفه رائحة الدم المتخثر. منذ عام بكى بينما كان يقلب الجثث بحثاً عن أخيه وها هوذا الآن يرى الموت سهلاً لا يحتاج لأية مهارة.

-    "تحرك يا كلب!"

تمتم:

-    "يا للمدينة!"

توقف عن الضحك عندما تعرف على الوجه المختبئ وراء لطخات الشحار.

-    "أنت؟"

-    "امش!"

-    "عندك دخان؟"

-    "خذ. خذها كلها. قد تكون علبتك الأخيرة. تحرك!"

-    يومها تذكر أيوب حاتم طيء.

-    سار رافعاً يديه بين صفين من الجنود دون أن يحس بجوربه الذي كان مايزال في يده اليمنى. كانت المدينة دامية الساقين مجللة بالدخان.

-    اقترب من استحكام رشاش 500 يركع وراءه أحد "الأشبال" وإلى جواره آخر. لم يكن أيوب يعرف إلى أين هو رائح مرفوع اليدين. كل واحد يقول له "امش!"، ولا أحد يقول له إلى أين. لم يشعر بأنه انحرف عن الطريق دون أن يدري به أحد. لمح الشبل الأول الكتلة السوداء في يد أيوب المرفوعة فسحب أكرة تعمير الرشاش برعب وقبل أن يضغط على الزناد بثوان تذكر أيوب الجورب فمد يده بسرعة مذهلة. نتر الجورب، مطَّه ورماه قطعتين. لحظتها لم يع أيوب ما فعل.. لم يكن يحس بأي شيء حوله. كان كتلة، كتلة يابسة. خطوة، خطوتان.. أربع.. ست.

-     يا الله، ظنوه قنلة! يا ربي!"

-    ويومها أحب أيوب الحياة.

أراد أن يقول شيئاً كبيراً. تمتم:

-    "إن قسوة الحياة تصبح بعد تجربة الموت عذبةً كرغيف ساخنٍ على التنور".

هز رأسه كأن الفكرة لم تعجبه. وفجأةً وجد نفسه بين طابور المعتقلين مرة أخرى. ابتسم بذهول.

-    "انعطف إلى اليسار يا تيس!"

انعطف. ازدادت سبحة الخوذات تراصاً. دفعه أحدهم إلى الداخل مع ركلة وشتيمة. لم ينظر إليه. لقد تعلم أن لا ينظر إلى من يهينه عندما تكون الحياة هي الثمن. أقعى فوق الرمال. نقل عينيه بين العربات المصفحة، المدافع الرشاشة، الجنود المتلفعين بأرديتهم السميكة. وخزه جرحه، فمد رجله على طولها.

كان الغروب حزيناً. كانت الريح تلدغ وجوه المتكومين فوق رمال المعتقل. كان واحد منهم يبكي.

ارتفعت الرؤوس تباعاً. شبت لغة العيون. تيقظت حواس أيوب كلها.

"يا لقسوة العيون. لغتها جارحة دائماً.."

لم يعد هناك فرق بين عيونهم. لقد عادت الألوان لأصلها الدامي، ببطء تلاقت، تعاتبت. وعندما برقت تدفق منها لحن حزين صاف. كانوا جميعاً يدركون أنه غير مسموع لكنهم سمعوه جميعاً.

رأى أيوب في عيون رفاقه ألقاً نارياً. أراد مرة أخرى أن يقول شيئاً كبيراً. تمتم:

-   "أليس العيش بطولة؟ ترى هل الأبطال هم الموتى فقط؟"

قال لنفسه: "ربما سمعت هذا من قبل. لا، لن أكون فيلسوفاً ناجحاً".

انحنت الرؤوس على التوالي. همس أيوب في أذن جاره: "الليل بارد هنا. هيا نحفر قبراً كي ننام فيه". بدأ أيوب يجرف الرمال بكلتا يديه.. ارتفعت الرؤوس.. صفعتها الزوبعة الرملية. امتدت بعض الأيدي. امتدت أيد أكثر. ابتسم أيوب: "للأيدي لغتها أيضاً!". غمر نفسه بالرمل وتلثَّم بقميصه الداخلي. همس جاره:

- "غط عينيك!"

رد أيوب بصلابة:

-    "كلا، أريد أن أرى وجه قاتلي!"

**

بلورات الصخرة تلمع تحت أشعة الشمس. كانت الشمس ما تزال عمودية. فتح أيوب عينيه. حاول تحريك ساقيه. أحس ببنطاله المغطى بالدم المتخثر ينتف شعر فخذيه.. نهض ببطء أليم مغمضاً عينيه بشدة. ترامى إلى أذنيه نباح كلاب وضجة بشر. إنهم قادمون. ميزهم من نباح كلابهم. تكور بين الصخرتين. تحسس بندقيته. كان أخمصها ما يزال دافئاً.

شعر بلزوجة الدم في حذائه المطاطي. اشتبهت عليه الرؤية. تلك المرأة ذات العينين الزجاجيتين.. المخيم.. القبر الرملي.. حبيبته سلمى التي باعوها.. الاحتقار.. موظف الإعاشة المترهل.. قبر أمه المسلولة.. المعتقل.. وجوه رفاقه..

تدحرجت من عينه اليمنى دمعة كبيرة. قوي نباح الكلاب.. تناول قنبلتين من حزامه القماشي. نهش صماميهما. كانت عيناه حمراوين تحت كل منهما هلال إرهاق أزرق. اقترب نباح الكلاب. إنه تحته في بستان الزيتون. مط رأسه من بين الصخرتين. رفع كلتا يديه.. التوى، تدحرج على المنحدر ثم هوى من فوق الانهدام. وكان انفجاران.

كانت الشمس ما تزال عمودية وتحت الشمس العمودية تغوض الظلال ويبقى الإنسان فرداً.

لكن ظِلَّ أيوب تناسخ تحت الشمس العمودية أشجار زيتون امتدت أوراقها دروباً فضفاضةً إلى البحر المالح.

                                  دمشق كانون الثاني 1973


 

 

القصة الثانية

اطمئنان

-    "أهلي محافظون.. ابتعد أرجوك! إنهم ينظرون إلينا!"

-    "لم أعد أهتم. أريد أن أراك!"

-    "غداً هنا بعد الدوام".

**

وانتهت كآبة الحجارة السجينة في جدران المدينة، تدفق الدم في خلاياها الجافة الهرمة وابتسمت. اندلع قلب وديع. شبّ. اندفع بين أضلاعه فرساً برياً أهوج يقرع دروب الجسد المهجورة بحوافره فهرول الدم مذعوراً في شرايينه كما الأطفال في زواريب القرى عندما تهجم الخيالة.

"غداً هنا"

اضطرمت عيناه ألقاً. هب يعدو في الشارع المزدحم وبواكير البحر تتدفق في روحه تردم تجاعيد الكآبة عن جبينه المتعب. قفز ملتفاً كي يتفادى أحد المارة، شرع يصفر لحناً لم يسمعه من قبل. ارتطم بشاب رصين يرتدي بزة سوداء. رمقه الشاب بنظرة غضبى. قال مرتبكاً!

-    "المعذرة يا أخي.. آسف.. آسف والله…"

عانق الشاب كما لو أنه حبيبته! أردف: "عفواً يا صديقي.. أنا آسف.. آسف جداً!"، وانطلق من جديد تاركاً الشاب الرصين كتلة سوداء ذاهلة.

عرج على محل لبيع الزهور. طلب وردة حمراء. رمقه البائع بنظرة استخفاف. تشاغل عنه بقطف حبيبات العرق عن جبينه. شلح قطعة النايلون التي كفن التاجر الوردة بها. تابع الركض. توقف، تمتم بنشوة:

-    "أيها الناس، لكم أنتم طيبون. لكم أحبكم. أنتم رائعون، رائعون! وعالمكم في غاية الجمال."

انطلق، وصل إلى ناصية الشارع. تعلق بعمود كهرباء. قفز حوله بحركة دائرية. لمح شاباً وفتاة يعبران الشارع متماسكين بالأيدي. تمتم:"إنه الحب! ما أجملهما!".

اتسعت ابتسامته. اقترب منهما بجرأة لم يعهدها في نفسه:

-    "عفواً، أنا سعيد.. سعيد جداً. أتسمحان أن أقدمها لكما؟ إنكما…"

وضع الوردة على كتف الفتاة. نظر إلى الشاب المندهش المتحفز للصراع ثم تدفق من جديد نبعاً بشرياً فوق الإسفلت الأسود.

**

أخيراً جاء الليل وانسحبت المدينة إلى درقتها المسلحة واختبأت الأغاني. كان المنبه متربعاً على منتصف طاولة وديع يلكز الصمت برتابة مستفزة معلناً أنه سائس الوجودات النائمة وسواها.

حدق وديع في عقرب الثواني. أحس بصوت المنبه يتضخم بازدياد فما كان منه إلا أن لفه في معطفه وألقى به خلف الباب. تناول دفتر التحضير.

"لا تلمه إن لم يحضر يا سيادة المدير. يبدو أنه قد وجد من ستقتاده من أنفه إلى معلف الزوجية. أنا أعرف هذا النوع من البشر.. يحدث زلزالاً صغيراً عندما يقع ثم يعيد حساباته بهدوء ويمضي باسماً إلى المسلخ! رحمه الله سلفاً. لقد كان معلماً ممتازاً!"

أخرج صورةً من حافظة دفتر التحضير. استعرض وجوه تلاميذه الواحد تلو الآخر. توقف عند طفل هزيل ذاهل مشار إليه بسهم.

-    خلف! ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟"

-    أريد أن أكون… فلسطين يا أستاذ.

-    "اسمع يا بني. لقد أضاعت السياسة الكثير. أوصيك أن تعمل بشرف وأخلاق أما السياسة فليست للدراويش أمثالنا. أتفهمني يا بني؟"

-    نعم أستاذ.

تذكر الحليب الذي وضعه على النار منذ مدة طويلة. أطلق ضحكة مكتومة وقفز باتجاه المطبخ.

"أعني الأستاذ وديع، إنه يبالغ في اهتمامه بذلك التلميذ! ماذا لو فعلنا كلنا مثله واشترينا الحليب لتلاميذنا المصابين بسوء التغذية؟ لا شك أننا وأطفالنا سنصاب بنفس المرض!"

تهادى إلى أذنيه وقع أقدام مضطربة في الخارج. تعثرت يده بعلبة عام الكناري. تذكر بأنه لم يطعمه منذ الصباح. التقط العلبة وعاد إلى الغرفة بادي القلق. ربت على قضبان القفص. أخرج الكناري رأسه من تحت جناحه الأيسر ونظر إلى وديع دون أن يتحرك. همس وديع: "يا لطائر الحبيب. مساء الخير يا أخي.. لم أنت حزين هكذا؟ كن صبوراً، لن تطول وحدتك. ستتزوج أنا وأنت في نفس اليوم. سأشتري لك زوجة جميلة مثل بديعة. قسماً لو رأيتها يا صديقي لفكَّ عقال لسانك ولسبحت الخالق بلسان عربي مبين!".

"غداً هنا بعد الدوام".

نظر إلى الكناري بعذوبة ودفء، تابع: "سنتقابل غداً.. غداً! أتعرف ماذا يعني هذا؟ بسمة فموعد فلقاء فالسلام عليكم! سندخل السينما، سأنظر إليها طوال الفيلم وسأغازلها برجلي كما نصحني الأستاذ سلامة لعنه الله! وعندما تبكي البطلة على صدر البطل سأضع يدي على يدها.. أجل سأقبل يدها وليأت الطوفان!".

قاطعه وقع أقدام عجلى على الدرج. شعر بالخجل.

"لقد عدت مراهقاً يا ما شاء الله!"

جلس إلى المنضدة، تناول قلمه. رسم دائرة كبيرة.. رسم في داخلها عدة خطوط، تحولت الدائرة إلى وجه مقيت ينظر إليه باستخفاف. مزق الورقة، التفت إلى الكناري المنهمك في تناول عشائه. ابتسم من جديد. تناول القلم وكتب في منتصف الصفحة البيضاء:

"في كل الأيام، كنت أغادر مدرستي مشبعاً بالبسمات الشاحبة، أسير في الأزقة الفقيرة المزدحمة وتلاميذي من حولي يتغامزون ويصخبون.

في كل الأيام، كنت أعود وحيداً إلى غرفتي. أحمل أرغفة الخبز الساخنة في يدي وحسرة الأيام الباردة في قلبي. واليوم كاد أن يكون البارحة، لكننا التقينا. احتشدت الغيوم في السماء كي ترانا وعندما ابتسمت حبيبتي ضحكت الغيوم وتهاطلت…

وفجأةً.

**

يرتطم جسم صلب بقفل الباب. يندفع لسان المزلاج إلى الداخل. يهب وديع واقفاً. ينفتح الباب ويندفع منه رجلان أولهما يشهر سكيناً طويلة مدببة حادة. يغلق الرجل الثاني خلفه الباب بخفة وحرص. يهدر صوت الرجل الأول:

- "كلمة وأقطع عنقك! أين هي؟".

يسقط القلم من بين أصابع وديع. ينتفض كمن أفاق من حلم. يحاول استجماع شجاعته. يصيح بصوت مرتجف:

-    "ماذا تريدان؟ اخرجا من البيت فوراً وإلا…"

يقفز الرجل الأول إلى الأمام. يهوي بسكينه على وجنة وديع اليسرى. يحاول وديع أن يصرخ لكن يد الرجل الأول تجهض الصرخة في حنجرته. يتدفق الدم بغزارة من خد وديع. يترنح. يدفعه الرجل إلى حضن كرسي الخيزران. يجأر:

-    "نحن لا نمزح! أين هي؟"

تستقر عينا ذي الشارب على قفص الكناري. يقترب منه بهدوء. يهدد. يشعل إحدى سجائره. يلتفت إلى الرجل الأول ويقول بصوت آمر بارد:

 "فتش في الداخل".

يلتقط وديع المنشفة عن مسند الكرسي. يضغطها فوق الثلم الذي خلفته السكين. يرفع عينيه إلى وجه ذي الشارب. يتمتم بخشوع ورعب:

-    أقسم بأنها لم تأت إلى هنا! أنا لم أكلمها في حياتي إلا اليوم. قصدي شريف والله! أنا مستعد أن أخطبها، بل أن أتزوجها الآن. لا تظلمني وتظلمها أقبل يديك!"

-    يعود الرجل الأول حاملاً سكينه الدامية. ينظر إلى وديع بتشكك. يصرخ بهدوء:

-    "لقد رأيتها بعيني تدخل إلى هنا! تظن أنك قادر على قنصها من أبي السباع يا كلب!! أبو السباع مدوخ البلد.. أنت تتطاول عليه؟! انطق! أين هربتها؟"

يطلق ذو الشارب نفساً عميقاً من سيجارته. ينظر إلى الرجل الأول فيصمت. يفتح ذو الشارب باب القفص بحرص. يخاطب وديع بصوت فولاذي مغلف بالنعومة:

"طائر جميل. أنا أيضاً أحب الطيور."

يمرر أصابعه الكبيرة على رأس الكناري. يقرب جمرة سيجارته من عينيه. يزم الكناري رأسه إلى الداخل. يخرج رأسه تحت ضغط الأصابع. ينظر ذو الشارب إلى عينيه الصغيرتين البراقتين. "طائر بديع أليس كذلك؟"

يغرز ذو الشارب عينيه الباردتين في عيني وديع. يقرب جمرة سيجارته من عيني الكناري. يغمض الكناري عينيه. تبيضُّ العين الأولى. ترتعد أوصال وديع. ينسى جرحه النازف. يحس بقوة هائلة تسري فيه. يعض أصابع الرجل الأول المطبقة على فمه. تنعتق الصرخة: "مجرمون! مجرمون! مجـ…"

تطبق يد الرجل على فمه من جديد. يقذف ذو الشارب الكناري المحروق العينين إلى أعلى. تبدأ عضلات فكه رقصها الجنوني المتصاعد. تتشنج شفتاه بأفعوانية مقرفة. يدفع يده إلى الخلف فتتكشف عن موس حلاقة ناصع النصل. يتقدم نحو وديع يخاطبه بنفس الصوت الجليدي:

"والآن، قل لي أين تلك العاهرة؟"

وبسرعة البرق يرسم بحد الموس خطاً أبيض على خد وديع الأيمن سرعان ما يغصّ بالدماء. يخر وديع بين يدي ذي الشارب. يتمتم بوهن:

"أقسم برأس أمي! أقسم… بديعة لم تأت إلى هنا".

يغمغم ذو الشارب:

"بديعة؟!…"

يرد صاحب السكين الكبيرة بانفعال:

"العاهرة. إنها تغير اسمها كل دقيقة! لقد خبأها بينما كنت أخابركم!"

تعود التكشيرة الوحشية إلى وجه ذي الشارب. يطبق بموس الحلاقة على عنق وديع المضرج بالدم. يزعق بحدة مفاجئة:

"انطق! أين هي؟"

ينتفض وديع بشكل متتابع. يحكم ذو الشارب قبضته على ياقة وديع. يضغط بالموس على عنقه. يضغط بالموس على عنقه. تجحظ عيناه. يهدر ذو الشارب:

"قل أين هي يا كلب؟"

يهز وديع بكل قواه. ينغرس الموس في عنق وديع أكثر وأكثر. تتصاعد منه حشرجة جافة. يصرخ الرجل الأول برعب:

"ذبحته!"

يشلح ذو الشارب وديع فوق الأرض فتتسع دائرة الدم حول جسده وتخفت حشرجاته إلى أن يسود الصمت.

**

يهمس الرجل الأول بصوت مرتجف:

"قتلته. لقد حذرك سيادته من القتل!"

يزعق ذو الشارب ملدوغاً:

"سيادته! قلت لك أن لا تذكره أمامي. الكلب. إنه يمتصنا دون مقابل. قل لي، ماذا فعل لنا منذ حادثة سلهب؟ لا شيء. لكنه لم يتوقف عن البلع!"

تصطك أسنان الرجل الأول. يهمس بصوت متقطع أجش، مشيراً إلى وديع:

"لكنك قتلته!"

يرد ذو الشارب بهدوء مفتعل:

"الحيوان، لقد أغضبني!"

يهمس الرجل الأول:

"لكن، ماذا سنقول لسيادته الآن؟…"

يمسح ذو الشارب الدم عن موس  الحلاقة بالورقة التي كتب عليها وديع كلماته الأخيرة. يتمتم بهدوء حازم:

"لسوف أجد تلك العاهرة ولو كانت في الواق الواق!"

يمر فوق جثة وديع دون اكتراث. يقف خلف الباب. يصيخ السمع قليلاً. يفتح الباب بحرص، يهمس:

"لا أحد هناك. هيا بنا".

بيروت– القاهرة -بغداد– الخرطوم– الدار البيضاء -صنعاء – المدينة المنورة…إلخ

                                                        كانون الأول 1973